ابن قيم الجوزية
634
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الجنة ، فقال تعالى : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) [ هود ] ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار . قالوا : ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 128 ) [ الأنعام ] إلى قوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) [ الأنعام ] . وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه . أحدها : استكبارهم منهم ، أي : من إغوائهم وإضلالهم ، وإنما استكبروا من الكفار . الثاني : قوله : وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ ( 128 ) [ الأنعام ] وأولياؤهم هم الكفار ، كما قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) [ الأعراف ] فحزب الشيطان هم أولياؤه . والثالث : قوله : وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) [ الأنعام ] ومع هذا فقال : النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ( 128 ) [ الأنعام ] ثم ختم الآية بقوله : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 128 ) [ الأنعام ] . فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته ، وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة ، فهو عليم بما يفعل بهم حكيم . في ذلك قالوا : وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معا ، أبّد جزاء أهل الرحمة ، وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله : ( 107 ) * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) [ هود ]